بن عيسى باطاهر
116
المقابلة في القرآن الكريم
الاختلاف الذي لا بدّ أن ينشأ من اختلاف الاعتقاد والتصور منهجين للحياة أحدهما يقوم على عبودية العباد للّه وحده بلا شريك ، والآخر يقوم على عبودية البشر للبشر ، وللآلهة المدعاة ، وللأرباب المتفرقة ، ثم يقع بينهما التصادم في كل خطوة من خطوات الحياة ، لأنّ كل خطوة من خطوات الحياة في أحد المنهجين لا بدّ أن تكون مختلفة مع الأخرى ، ومتصادمة معها تماما في مثل هذين المنهجين ، وفي مثل هذين النظامين » « 1 » . إنّ الآية الأولى بمثابة الإعلان العام « أذان من اللّه » لبراءة اللّه وبراءة رسوله ، وبراءة المؤمنين بعد ذلك من المشركين ، وقد جاء الإعلان ليحدد المواقف الحاسمة في قضية الولاء والبراء ، وليطهّر جزيرة العرب من الشرك ويجعلها تحت راية الإسلام ، أما الآية الثانية والثالثة فتتحدثان عن إقامة ولاء مع المشركين في حالة دخولهم في جماعة المسلمين ، وامتثالهم لأوامر اللّه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، أو البراء منهم في حالة نكث الأيمان والطعن في الدين ، والإصرار على الكفر ، « ونكث الأيمان هنا يقابل فيما قبله استقامتهم عليها والطعن في ديننا في الجملة التالية يقابل فيما قبله توبتهم من الكفر به بدخوله في جماعته » « 2 » . هذه هي طريقة القرآن في التعامل مع المشركين في كلّ الأزمان ، وهي طريقة تجعل الأشياء في موضعها الصحيح من حيث الانتماء إلى عقيدة التوحيد ومقتضياته من ولاء وبراء ، أو التخلي عن ذلك والركون إلى الشرك والكفر ، ثم لجعل الإيمان هو المسيطر والظاهر في الأرض ، ودحض كل قوى الشر التي تعارض مبدأ الخضوع لسلطان اللّه على هذه الأرض ، والمشركون في كل زمان هم أناس نصبوا شراك العداوة والقتال للّه ولرسوله ولأي شيء له علاقة بالدين والعقيدة ، ومن هنا جاء موقف القرآن واضحا ليعلن البراءة التامة من الشرك والمشركين وإعلان العداوة والقتال لأولياء الشيطان في كل زمان ومكان .
--> ( 1 ) في ظلال القرآن - ج 3 ص 1586 . ( 2 ) محمد رشيد رضا - تفسير المنار - ج 10 - ص 190 .